ياغي يكتب ،،، ترامب وخطاب الكراهية، حين تصبح السخرية من الإسلام مادة انتخابية
عمان الان – د. مصطفى ياغي
على هامش الانتخابات النصفية الأميركية، ومع احتدام المنافسة على مقاعد الكونغرس، يعود دونالد ترامب إلى خطاباته المثيرة للجدل، مستخدمًا الدين والهوية في سياق سجاله السياسي مع خصومه. لكن ما يثير التساؤل ليس مجرد حدة المنافسة الانتخابية، بل الحدود التي يمكن أن يصل إليها الخطاب السياسي حين تصبح أسماء الناس وخلفياتهم الدينية والثقافية مادة للسخرية أمام الجماهير. ففي السادس عشر من تشرين الأول 2026، وخلال تجمع انتخابي في مدينة دالتون بولاية جورجيا، أطلق ترامب مزحة بشأن شيوع اسم «محمد» في الشرق الأوسط، قائلًا إن من لا يعرف اسم شخص من المنطقة يمكنه أن يناديه محمد، وإن لديه فرصة تصل إلى 65% في أن يصيب الاسم الصحيح. وجاءت العبارة في سياق حديثه عن إيران ورئاستها، خلال فعالية انتخابية لدعم مرشحين جمهوريين قبل انتخابات الثالث من تشرين الثاني. وقد نقلت وكالة رويترز التصريح في تقرير نشرته في اليوم نفسه. قد يرى البعض في العبارة مزحة عابرة، وقد يضعها آخرون في إطار السخرية السياسية المعتادة، لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: متى تتحول المزحة من تعليق على موقف سياسي إلى اختزال ملايين البشر في صورة نمطية واحدة؟ وهل يكفي أن تُقال العبارة بنبرة ساخرة حتى تصبح بمنأى عن النقد والمساءلة؟ إن اسم محمد ليس مجرد اسم شائع في المجتمعات العربية والإسلامية، بل يحمل لدى كثير من المسلمين دلالة دينية وثقافية خاصة. ولا يعني ذلك أن كل مزحة تتناول اسمًا أو خلفية ثقافية تشكل بالضرورة خطاب كراهية، لكنه يعني أن السياق والمضمون وطبيعة الجمهور عوامل لا يمكن تجاهلها عند تقييم كلام يصدر عن شخصية سياسية تتصدر المشهد العالمي. المشكلة هنا ليست في حق ترامب في انتقاد إيران، أو مهاجمة خصومه الديمقراطيين، أو الدفاع عن سياساته المتعلقة بالأمن والهجرة. فهذه موضوعات مشروعة للنقاش السياسي. إنما تكمن المسألة في الكيفية التي يجري بها توظيف الهوية الدينية والثقافية داخل هذا النقاش، وفي ما إذا كانت السخرية تستهدف موقفًا سياسيًا بعينه أم تفتح الباب أمام التعميم على جماعات كاملة. وحين تتكرر الإشارات إلى أسماء المسلمين وهوياتهم في سياق السجال الانتخابي، يصبح من الضروري النظر إلى أثرها المحتمل خارج حدود المنصة. فالكلمات التي تصدر عن رئيس الولايات المتحدة لا تبقى محصورة في قاعة تجمع انتخابي، بل تصل إلى ملايين الناس، بينهم مسلمون يحملون الجنسية الأميركية، ويشاركون في الحياة العامة، ويمارسون حقوقهم كمواطنين، ويختلفون في مواقفهم السياسية كما يختلف غيرهم من الأميركيين. ولا يعني ذلك أن كل تصريح ساخر يؤدي حتمًا إلى التمييز أو العنف، لكن تطبيع الصور النمطية قد يجعل التعامل معها بوصفها أمرًا عاديًا أكثر سهولة، ويضعف قدرة المجتمع على التمييز بين النقد المشروع والتحقير القائم على الهوية. ولعل ما شهدته محافظة الكرك في الأردن من اعتداء إرهابي استهدف كنيسة وسقط فيه ضحايا ومصابون يعيد إلى الواجهة سؤالًا أكثر عمقًا عن مسؤولية الخطاب، وعن خطورة الأفكار حين تتحول إلى استهداف للإنسان بسبب هويته أو مكان عبادته. إن الربط بين الكرك وواشنطن لا يعني مساواة أحداث مختلفة في طبيعتها ومسؤولياتها، ولا وضع جريمة إرهابية في كفة ومزحة سياسية في كفة أخرى، فلكل واقعة سياقها وأبعادها. لكن ما يجمع بين النقاشين هو ضرورة رفض تحويل الهوية الدينية إلى سبب للانتقاص من كرامة الإنسان أو التشكيك في انتمائه أو التعامل معه باعتباره تهديدًا لمجرد اختلافه. ففي الأردن، لا يمكن مواجهة التطرف من دون التأكيد على أن المسلمين والمسيحيين شركاء في الوطن، وأن دور العبادة ليست أهدافًا مشروعة للكراهية، وأن أمن الإنسان وحقه في ممارسة شعائره يجب أن يكونا فوق الحسابات الضيقة. وبالمثل، فإن مواجهة الإرهاب في أي مجتمع لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإدانة دين كامل أو تحميل أتباعه مسؤولية أفعال يرتكبها أفراد أو جماعات متطرفة. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها: نطالب المجتمعات بإدانة التطرف بكل أشكاله، ونرفض أن يُحمّل المسلمون مسؤولية الجرائم الإرهابية، ثم نجد أنفسنا أمام خطابات سياسية تستخدم أحيانًا الأسماء والانتماءات الدينية في سياقات ساخرة أو تعميمية. فهل نريد فعلًا ترسيخ مبدأ احترام الإنسان، أم نتمسك به فقط عندما يخدم موقفنا السياسي؟ إن حرية التعبير حق أساسي، والنقاش السياسي لا يمكن أن يكون خاليًا من النقد الحاد أو السخرية. لكن الحرية لا تعني أن تصبح كل عبارة بمنأى عن التقييم، كما أن نقد الخطاب لا يعني المطالبة بمنع صاحبه من التعبير عن رأيه. الفارق الأساسي هو بين حق السياسي في الكلام وحق المجتمع في مناقشة مضمون كلامه وآثاره. ولا بد هنا من التمييز بين نقد سياسات إيران، ومناقشة ملفها النووي، والاعتراض على مواقف أي حكومة، وبين استخدام هوية الأشخاص أو أسمائهم الدينية وسيلة للتندر عليهم. فالحكومات تُحاسب على سياساتها وقراراتها، والسياسيون يُناقشون على أساس مواقفهم وبرامجهم، أما الدين والاسم والأصل فلا ينبغي أن تتحول إلى بدائل عن الحجة السياسية. هذا المقال ليس دفاعًا عن حزب أميركي في مواجهة آخر، ولا محاولة للتدخل في خيارات الناخب الأميركي، بل هو قراءة في خطاب سياسي يتجاوز أثره حدود الولايات المتحدة، وطرح لسؤال يتصل بمسؤولية أصحاب السلطة عن الكلمات التي يختارونها، خصوصًا حين تتعلق بهويات دينية وثقافية يعيش أصحابها داخل مجتمعات متعددة. وفي مقالات لاحقة، سأتوقف عند تصريحات أخرى لترامب تتصل بالإسلام والمسلمين، مستندًا إلى النصوص الأصلية والسياقات الموثقة والتواريخ المحددة، مع التمييز بين الوقائع والتفسيرات، وبين النقد السياسي والتعميم الديني. فالنقد الجاد لا يحتاج إلى المبالغة أو اقتطاع الكلام من سياقه، بل إلى عرض الوقائع بدقة، ثم تحليل دلالاتها وأبعادها السياسية والاجتماعية والإعلامية. من الكرك إلى واشنطن، يبقى المبدأ واضحًا: لا يجوز أن يكون الدين سببًا لاستهداف الإنسان، ولا أن تتحول مكافحة الإرهاب إلى ذريعة للتمييز، ولا أن تصبح المنافسة الانتخابية مبررًا للتخلي عن مسؤولية الكلمة. فالسياسة تتغير، والانتخابات تنتهي، أما أثر الكلمات في المجتمعات فقد يبقى طويلًا بعد أن تنطفئ أضواء المنصات الانتخابية.
والسؤال المطروح دوماً ؟
متى سوف تنتهي هذه الحركات الدونكيشوتية
والتي تؤثر سلباً في عقول بعض الناس وتودي بهم إلى ردات فعل كارثيه سببها بعض الساسه والمسؤولين