ياغي يكتب …نافي بيلاي والاحتلال… إلى هذا الحد بلغ القبح السياسي؟
نافي بيلاي والاحتلال… إلى هذا الحد بلغ القبح السياسي؟
عمان الان – الدكتور مصطفى ياغي
يوم الجمعة الماضي، أعلنت لجنة نوبل منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للمفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة والقاضية في محكمة العدل الدولية، نافي بيلاي، تقديراً لمسيرتها الطويلة في الدفاع عن العدالة والقانون الدولي وحقوق الإنسان.
وبعيداً عن ترامب، كبير سحرة السياسة، ومنشوراته التي تثير العجب، وتجعلك أحياناً تتوقف متأملاً حال هذا العالم وتضرب أخماساً بأسداس، خصوصاً حين وصف بيلاي بأنها «تكره إسرائيل»، فإن الاحتجاج الإسرائيلي على منحها الجائزة يحتاج إلى صفنة من نوع آخر!
بصراحة، لا أدري أيّ مستوى من الوقاحة السياسية بلغه قادة هذا الاحتلال، حتى باتوا يريدون من العالم أن يصمت عن انتهاكاتهم، وأن يتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني، وأن يقبل روايتهم وحدها، باعتبارها كتاباً منزلاً لا يأتيه الباطل من خلفه (حاشا لله)، ثم يتهمون كل من يجرؤ على مخالفتهم بالكراهية ومعاداة السامية، هذه الشماعة التي يعلقون عليها كل كراهيتهم لمن هو دونهم باعتبارهم من الأغيار، متخذين هذه الشماعة كأعواد المشانق التي يُعدم عليها كل من يطالب بحقه وتقرير مصيره.
فنافي بيلاي، التي أمضت عقوداً في الدفاع عن حقوق الإنسان، وترأست لجنة تحقيق أممية خلصت إلى مسؤولية إسرائيل عن ارتكاب إبادة جماعية في غزة، أصبحت في نظرهم رمزاً للكراهية، لا لشيء إلا لأنها وقفت إلى جانب القانون الدولي والإنسانية، ولم تمنح الاحتلال صك براءة من جرائمه!
وما يثير القهر أكثر من ذلك، أن قادة الاحتلال يريدون تحويل تهمة معاداة السامية إلى سيف مسلط على رقاب المنتقدين، ووسيلة للابتزاز السياسي وإسكات الضمائر. وأن معاداة السامية بوصفها شكلاً من أشكال العنصرية، بحسب معتقدهم، يؤكد على أن سياسة الاحتلال في مواجهة الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة كافة، بما فيها أفعال قطعان المستوطنين، يشكل أكبر عنصرية وحضّ على الكراهية مرفوضة دون نقاش، وهذا ما أكد عليه قادة العالم وعلى رأسهم جلالة الملك عبدالله الثاني أمام اجتماع الأخير للأمم المتحدة.
وأن استخدام هذه الفزاعة (معاداة السامية) بتجريم انتقاد الاحتلال والمطالبة بحقوق الفلسطينيين ما هو إلا إساءة لمفهومها وتسييسها ومحاولة مكشوفة منه للهروب من المساءلة القانونية والدولية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: بأي منطق يريد هؤلاء أن يقنعوا العالم بأن الدفاع عن حقوق الإنسان كراهية، بينما يُطلب من الفلسطيني أن يقبل بحرمانه من أبسط حقوقه، ومن العالم أن يغض الطرف عن معاناته؟
ثم ألم تصل الرسالة بعد؟ ألم يكن مشهد انسحاب عشرات الوفود من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال خطاب نتنياهو الشهر الماضي كافياً ليدرك هذا القبيح وقادة احتلاله حجم الرفض الدولي لسياساتهم؟ أم أن الغطرسة بلغت بهم حداً لم يعودوا معه يسمعون سوى صدى أصواتهم؟
إن القبح السياسي لا يتمثل في الاعتراض على جائزة، بل في تلك العقلية التي تريد احتكار الحقيقة، وتبرير الانتهاكات، وتجريد الضحية من حقها حتى في أن تجد من يدافع عنها.
إن الاحتفاء بنافي بيلاي، في مقابل احتجاج الاحتلال الإسرائيلي على تكريمها، ليس مجرد اختلاف حول جائزة، بل هو استفتاء أخلاقي علني يكشف من يقف في جانب التاريخ والعدالة، ومن يصرّ على الوقوف في جانب الانتهاكات والعزلة.
ولعل قمة الوقاحة أن يحتج من يُتهم بانتهاك حقوق الإنسان على تكريم من أفنت عمرها في الدفاع عنها! فمهما بلغت آلة الدعاية والتضليل والابتزاز السياسي من قوة، لن يكون بمقدورها حجب شمس الحقيقة، ولن تستطيع أن تجعل من الظلم عدالة، ولا من الاحتلال حقاً.