مصطفى ياغي يكتب الخدمات الحكومية الإلكترونية.. لا نريد طابوراً رقمياً بدلاً من الطابور التقليدي

37٬599

عمان الان – د. مصطفى ياغي

لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية التحول الرقمي في الخدمات الحكومية، ولا حجم الاهتمام الذي يحظى به هذا الملف في الأردن، في ظل التوجيهات المستمرة لتطوير الإدارة العامة والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، فالغاية الأساسية من الحكومة الإلكترونية أن تصل الخدمة إلى المواطن بدلاً من أن يستهلك المواطن وقته وجهده في البحث عنها، وأن تسهم في اختصار الإجراءات، وتقليل مراجعات المؤسسات، والتخفيف من الازدحامات المرورية، وخفض كلف التنقل، وتوفير الوقت، وتقليل الحاجة إلى الانتقال المتكرر بين الدوائر الحكومية، وهي أهداف إيجابية ومهمة وتستحق أن تبنى عليها منظومة حكومية أكثر كفاءة ومرونة.

 لكن المشكلة لا تكمن في فكرة التحول الرقمي نفسها، بل في بعض آليات التطبيق التي تجعل المواطن أحياناً يشعر بأن المعاملة انتقلت من الطابور التقليدي إلى طابور إلكتروني غير مرئي، لأن المعيار الحقيقي لنجاح أي خدمة إلكترونية لا يتمثل في مجرد وجود منصة أو تطبيق أو نموذج رقمي، بل في سرعة إنجاز المعاملة ووضوح إجراءاتها وقدرة المواطن على متابعتها حتى نهايتها دون الحاجة إلى مراجعة المؤسسة شخصياً. فالمواطن لا يعنيه كثيراً عدد الخدمات التي جرى تحويلها إلى خدمات إلكترونية بقدر ما يعنيه أن يعرف متى تنتهي معاملته، وأين وصلت، ومن الجهة أو القسم الذي يتولى متابعتها، وما سبب تأخرها إن حدث ذلك، لأن الخدمة الإلكترونية تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها عندما يضطر المواطن إلى الاتصال أو المراجعة الشخصية لمعرفة مصير طلب تقدم به إلكترونياً أساساً لتوفير الوقت والجهد.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك بعض المعاملات المرتبطة بإصدار رخص المهن أو الطلبات التي تحتاج إلى سلسلة من الموافقات والإجراءات، إذ يفترض أن تكون الرقمنة قد اختصرت هذه السلسلة، وقللت عدد الخطوات، وحددت المسؤوليات، وربطت الأقسام والجهات المعنية ضمن مسار واضح وسريع، إلا أن المشكلة تظهر عندما تبقى المعاملة تنتقل من قسم إلى آخر ومن موظف إلى آخر دون سقف زمني واضح، أو تتوقف بسبب إجراء بسيط أو ملاحظة لا تصل إلى المواطن بصورة مباشرة، فتكون النتيجة أن الشكل تغير بينما بقي الإجراء الإداري التقليدي قائماً. وهنا يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض الأنظمة والإجراءات، لأن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني نقل الورقة إلى الشاشة، بل يعني إعادة هندسة الإجراء نفسه، واختصار الخطوات، وإلغاء غير الضروري منها، وتقليل عدد الموافقات، ومنح الموظف المختص الصلاحيات التي تمكنه من إنجاز الطلب ضمن إطار واضح ومسؤول.

كما أن نجاح أي نظام إلكتروني يعتمد بصورة مباشرة على كفاءة الموظف الذي يتعامل معه، ولذلك لا بد من الاستثمار الجاد في تدريب وتأهيل الموظفين، ورفع كفاءتهم التقنية والإدارية، وتحديد المسؤوليات بصورة دقيقة، لأن أفضل الأنظمة الإلكترونية لن تحقق أهدافها إذا لم يكن هناك موظفون مؤهلون وقادرون على التعامل معها بسرعة ومرونة، وإذا لم تكن هناك مساءلة واضحة عند التأخير أو تعطيل المعاملات.

والطلب الذي يظهر أمام الموظف ليس مجرد رقم إلكتروني، بل وراءه مواطن قد يكون صاحب مشروع، أو مستثمراً، أو صاحب محل، أو رب أسرة ينتظر معاملة مرتبطة بعمله أو مصدر دخله أو مصالحه اليومية، ولذلك فإن التأخير في معالجة هذه الطلبات لا يمكن النظر إليه على أنه تأخير تقني بسيط، بل قد يكون له أثر اقتصادي واجتماعي مباشر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى اعتماد مدد زمنية واضحة ومعلنة لإنجاز كل خدمة حكومية إلكترونية، بحيث يعرف المواطن منذ لحظة تقديم الطلب المدة المتوقعة لإنجازه، وفي حال تجاوزها ينتقل الطلب تلقائياً إلى مستوى إداري أعلى للمراجعة والمتابعة، فلا يكون المواطن هو من يلاحق معاملته، بل يكون النظام نفسه قادراً على رصد التأخير وتحديد موضع الخلل ومعالجته.

 كما أن من الضروري تطوير آليات المتابعة الإلكترونية بحيث لا تبقى عبارات عامة مثل «قيد الإجراء» أو «تحت المعالجة» ظاهرة أمام المواطن لفترات طويلة دون تفسير، بل يجب أن يعرف بوضوح المرحلة التي وصلت إليها معاملته، والقسم المسؤول عنها، وما إذا كانت هناك ملاحظة أو وثيقة ناقصة، والمدة المتبقية لإنجازها.

 ومن القضايا المهمة كذلك تعزيز الربط الإلكتروني بين المؤسسات الحكومية، إذ ليس من المنطقي أن يطلب من المواطن تقديم وثائق أو بيانات موجودة أصلاً لدى جهة حكومية أخرى، ما لم تكن هناك ضرورة قانونية أو فنية حقيقية، فالقاعدة التي يجب أن تحكم عملية التحول الرقمي هي أن ما تعرفه الحكومة عن المواطن من خلال قواعد بياناتها المترابطة لا ينبغي أن تطلب منه تقديمه من جديد في كل معاملة. وفي هذا السياق، تشكل مراكز الخدمات الحكومية الشاملة خطوة مهمة وإيجابية، لأنها تقوم على فكرة جمع خدمات عدد كبير من المؤسسات في مكان واحد، وتقليل حاجة المواطن إلى التنقل بين الدوائر، غير أن تطوير هذه المراكز يجب أن يتجه نحو تمكينها من إنهاء أكبر عدد ممكن من المعاملات من بدايتها إلى نهايتها، بحيث لا يتحول المركز الشامل إلى محطة جديدة توجه المواطن بعدها إلى مؤسسة أخرى لاستكمال الإجراء.

 إن تقييم نجاح التحول الرقمي يجب ألا يقتصر على عدد الخدمات التي تمت أتمتتها أو عدد المنصات والتطبيقات التي تم إطلاقها، بل يجب أن يعتمد على مؤشرات أكثر ارتباطاً بتجربة المواطن، وفي مقدمتها مدة إنجاز المعاملة، وعدد الزيارات التي تم الاستغناء عنها، ونسبة المعاملات التي أنجزت إلكترونياً بالكامل، ومستوى انخفاض الشكاوى، ونقاط التعثر داخل كل خدمة، والجهات أو الإجراءات التي تتسبب في التأخير، لأن هذه المؤشرات هي التي تكشف فعلياً ما إذا كانت التكنولوجيا قد حسنت الخدمة أم أنها اكتفت بتغيير شكلها. إن النقد في هذا الملف لا يعني التقليل من أهمية مشروع التحول الرقمي، بل على العكس، فإن الحفاظ على نجاحه يتطلب مراجعة مستمرة لنقاط الضعف والعمل على معالجتها، لأن المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى رقمنة المزيد من الخدمات، بل إلى تبسيط جذري للإجراءات الحكومية، وتمكين الموظفين، وتعزيز المساءلة، وتحسين الربط بين المؤسسات، ووضع مدد زمنية واضحة لكل معاملة، حتى لا يضطر المواطن إلى البحث عن واسطة أو الاتصال بمعرفة داخل المؤسسة أو مراجعتها شخصياً لمعرفة أين توقفت معاملته. المطلوب هو نظام يعرف أين توقفت المعاملة قبل أن يكتشف المواطن أنها متوقفة، وموظف مؤهل قادر على اتخاذ الإجراء المطلوب، وإدارة تراقب الأداء وتتحمل مسؤولية التأخير، لأن المواطن لا يريد حكومة إلكترونية بالشكل فقط، بل يريد خدمة أسرع وأكثر وضوحاً في الواقع، ولا يريد أن يستبدل الطابور أمام شباك الموظف بطابور غير مرئي داخل النظام الإلكتروني. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يكون بنقل المعاملة من الورق إلى الشاشة، بل باختصارها، وإلغاء الإجراء غير الضروري، وربط المؤسسات، وتسريع القرار، ومحاسبة المقصر، والوصول في النهاية إلى خدمة حكومية تحفظ وقت المواطن وتمنحه تجربة أكثر كفاءة واحتراماً

قد يعجبك ايضا