نادي عمّان… حكايةُ الإرادةِ التي تهزمُ المستحيل
عمان الان – في زمنٍ تُقاسُ فيهِ الإنجازاتُ بحجمِ الموارد، يختارُ البعضُ أن يقيسَها بحجمِ الإرادة… وهناكَ تبدأُ الحكاياتُ التي تستحقُّ أن تُروى.
نادي عمّان… حكايةُ الإرادةِ التي تهزمُ المستحيل
بقلم: زيد أبو زيد
ليس كلُّ نادٍ رياضيٍّ يُمكنُ أن يُختصرَ بنتيجةِ مباراة، أو بطولةٍ عابرة، أو موسمٍ ناجح؛ فبعضُ الأنديةِ تُكتبُ سيرتُها كمسارٍ متصلٍ من العطاء، وكأنّها فكرةٌ تمشي على الأرض. هكذا هو نادي عمّان، الذي لم يكن يومًا مجرد نادٍ، بل حالةٌ رياضيةٌ وإنسانية، تُمثّل نموذجًا في الصبر والبناء والتحدّي.
منذ أن تأسّس عام 1976 على أيدي رجالٍ آمنوا بأنّ الرياضة رسالةٌ قبل أن تكون منافسة، وحتى وصوله إلى عامه الخمسين، ظلّ هذا النادي يُراكم التجربة، ويصوغ هويته بثبات، دون ضجيج، ولكن بعملٍ عميقٍ ومتواصل.
في قيادة هذا المسار، يبرز اسمُ الدكتور مصطفى العفوري، الذي يمزج بين العقل الرياضي والمنهج العلمي، مستفيدًا من خلفيته الأكاديمية في الرياضيات، ليُدير النادي بعقليةٍ دقيقة، تُوازن بين الطموح والواقع، وبين الحلم والإمكان، وكأنّ الإدارة هنا ليست إدارة موارد فحسب، بل إدارةُ معنىً وصناعةُ اتجاه.
هذا النهج الإداري لم يكن مجرد تنظير، بل انعكس على مسيرة النادي في مختلف الألعاب. ففي كرة القدم، استطاع نادي عمّان أن يُنافس الكبار، وأن يكتب اسمه في سجل الأبطال، محققًا بطولة الدوري عام 1984، إلى جانب درع الاتحاد وعددٍ من الإنجازات التي رسّخت حضوره في الساحة الكروية الأردنية.
ولم يتوقف الطموح عند هذا الحد، بل امتد إلى كرة القدم النسوية، حيث قدّم النادي نموذجًا متقدمًا، ليس بالمشاركة فحسب، بل بالهيمنة والتتويج؛ فحصد بطولات الدوري لعدة مواسم، ونظّم بطولاتٍ دولية، ونجح في التتويج على المستوى الآسيوي، في إنجازٍ يُحسب للرياضة الأردنية عمومًا قبل أن يُحسب للنادي.
أمّا في كرة اليد، فقد كان المشهد أكثر وضوحًا في معادلة التفوق؛ حيث تسيد فريق الرجال منصات التتويج لسنوات، فارضًا حضوره كأحد أعمدة اللعبة في الأردن، فيما واصلت كرة اليد للسيدات والناشئات كتابة حكايةٍ موازية من التألق، إذ ما زالت أنامل البطلات تُداعب الميداليات الذهبية والكؤوس، في مشهدٍ يجمع بين القوة والمهارة والاستمرارية.
وفي ألعاب القوى، كان النادي مصنعًا للأبطال، الذين مثّلوا الأردن في المحافل الإقليمية والدولية، ووصل بعضهم إلى الأولمبياد، حاملين اسم الوطن والنادي معًا. وكذلك في تنس الطاولة، والسباحة، وسائر الألعاب، حيث حافظ النادي على حضورٍ متوازن، يجمع بين التأسيس والمنافسة.
واليوم، يخطو النادي خطوةً جديدة بدخوله مجال رفع الأثقال، مؤسسًا فريقًا جديدًا، ومنضمًا إلى الاتحاد الأردني للعبة، في إشارةٍ واضحة إلى أنّ روح التوسّع لا تزال حاضرة، رغم كل التحديات.
ولعلّ ما يُميّز هذا النادي أكثر، هو تركيبته الإدارية، التي تجمع بين الخبرة الرياضية والثقافة، حيث يضم مجلس الإدارة لاعبين معتزلين وروّادًا في مختلف الألعاب، ممن يحملون ذاكرة الإنجاز وروح الانتماء، ويُديرون العمل بروح الفريق الواحد.
ورغم محدودية الإمكانيات المادية—وهي حقيقة لا يمكن القفز عنها في ظل عالم الاحتراف—إلا أنّ الإدارة بقيادة الدكتور مصطفى العفوري استطاعت أن تُجنّب النادي كثيرًا من التعثرات التي واجهت غيره، عبر إدارةٍ حكيمة، واستثمارٍ ذكي في مرافق النادي؛ من المسبح إلى الصالات الرياضية، وصولًا إلى المقر العام، بما يضمن استدامة العمل واستمراريته.
إنّ قصة نادي عمّان ليست قصة بطولاتٍ فقط، بل قصة توازنٍ صعب بين الإمكان والطموح، بين الواقع والتطلعات؛ وهي قصة تُثبت أنّ الإدارة الواعية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وأنّ النجاح—في جوهره—ليس حدثًا عابرًا، بل مسارٌ طويل من التراكم الواعي.
وفي يوبيله الذهبي، لا يحتفل نادي عمّان بخمسين عامًا من الزمن فحسب، بل يحتفل بخمسين عامًا من الصمود، والعمل، والإيمان بأنّ النجاح ليس حكرًا على من يملك، بل على من يعرف كيف يصنع من القليل كثيرًا… وكيف يكتب، بهدوء، سيرةً تُشبه المعجزات.