ياغي يكتب …ثقة المواطن الأردني في الأجهزة الأمنية كانت ولا زالت تعانق السماء
كتب الدكتور مصطفى ياغي
ليست كل المواقف بحاجة إلى كثير من الكلام حتى تثبت حقيقة راسخة، وليست كل الإنجازات بحاجة إلى مبالغة حتى تستحق التقدير؛ فحين تتعرض الأوطان للخطر، وتُراق دماء الأبرياء، ويحاول الإرهاب أن يزرع الخوف في قلوب المواطنين، تصبح المواقف هي الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة ومؤسساتها على حماية الإنسان وصون أمن الوطن.
واليوم، مع إعلان إلقاء القبض على المتورطين في الجريمة الإرهابية التي شهدتها محافظة الكرك، بعد جهود أمنية متواصلة وملاحقة انتهت بالوصول إليهم، تتجدد الثقة الأردنية برجال الأمن الذين أثبتوا مرة أخرى أن خلف هذا الوطن رجالاً يواصلون أداء واجبهم بصمت واقتدار، وأن أمن الأردنيين ليس تفصيلاً عابراً، بل أمانة لا تقبل التهاون، ومسؤولية لا تتوقف عند حدود التعب والمشقة.
ثقة المواطن الأردني في الأجهزة الأمنية كانت ولا زالت تعانق السماء؛ لأنها لم تُبنَ على الشعارات، بل صنعتها المواقف، ورسّختها التضحيات، وأكدتها قدرة المؤسسات على التعامل مع التحديات في اللحظات التي يحتاج فيها الوطن إلى أقصى درجات الجاهزية والمسؤولية.
ما حدث فجر اليوم في الكرك ليس مجرد خبر عن إلقاء القبض على متورطين، بل محطة تستحق الوقوف عند دلالاتها الوطنية والأمنية؛ فالأردنيون الذين عاشوا صدمة الجريمة، والأسر التي أثقلها الحزن، والمواطنون الذين تابعوا الأحداث بقلوب يعتصرها الألم، كانوا ينتظرون أن يروا خطوات عملية تؤكد أن القضية لن تُترك للنسيان، وأن من تورط في الاعتداء سيواجه العدالة.
وقد جاء الإعلان عن القبض على المتورطين ليؤكد أن الملاحقة استمرت، وأن الجهود الأمنية لم تتوقف عند الساعات الأولى من وقوع الجريمة، بل تواصلت حتى الوصول إلى المطلوبين,,,, وهنا تكمن أهمية هذا الإنجاز,, فالمواطن لا ينتظر من مؤسسات دولته بيانات تطمئنه فحسب, بل ينتظر أفعالاً تعزز شعوره بالأمان, وتؤكد أن القانون حاضر، وأن دماء الأبرياء ليست قضية عابرة تطويها الأيام.
ومن الإنصاف أن نقف أمام هذا الجهد الأمني بكل تقدير، من دون أن نختزل الإنجاز في جهة واحدة، أو ننسب إلى مؤسسة بعينها ما هو ثمرة عمل متكامل فالعمليات الأمنية لا تقوم على خطوة منفردة، بل على سلسلة من الجهود تبدأ بجمع المعلومات والتحقيق والتحليل والمتابعة، وتمتد إلى التنسيق والتخطيط وتحديد المواقع وتنفيذ الإجراءات اللازمة.
وخلف هذه المراحل رجال ونساء يعملون في مواقع مختلفة لكل منهم اختصاصه ومسؤوليته وقد لا تظهر أسماؤهم أمام الكاميرات، لكن جهودهم تشكل جزءاً أساسياً من النتيجة النهائية ,,,,,,,,, كل التحية والتقدير لمديرية الأمن العام، وللأجهزة الأمنية والاستخباراتية المختصة، ولكل وحدة وفريق وضابط وفرد أسهم في هذه المهمة ضمن مسؤولياته واختصاصه؛ فالنجاح الأمني الحقيقي هو نجاح المنظومة بأكملها، حين تتكامل الجهود وتتحد المسؤوليات من أجل هدف واحد: حماية الوطن والمواطن
ولا يجوز، في لحظة الإشادة بهذا الإنجاز، أن ننسى أن وراء كل عملية أمنية ناجحة ساعات طويلة من العمل، وأن وراء كل مهمة رجالاً يتحملون مخاطر حقيقية، وعائلات تنتظر عودتهم سالمين، وأمهات وآباء يرفعون أكفهم بالدعاء أن يحفظ الله أبناءهم وهم يؤدون واجبهم.
لقد اعتاد الأردنيون أن يجدوا في أجهزتهم الأمنية عنواناً للجاهزية والمسؤولية، لكن الثقة الحقيقية لا تعني الاعتقاد بأن التحديات انتهت، أو أن المخاطر لن تتجدد؛ بل تعني الاطمئنان إلى وجود مؤسسات تواصل عملها، وتطور أدواتها، وتستخلص الدروس من التجارب، وتعمل على تعزيز قدرتها على حماية المجتمع.
أما الكرك، فليست وجع محافظة وحدها، بل وجع الوطن بأكمله… إن الجريمة التي استهدفت الأبرياء في كنيسة قرية حمود لم تصب عائلات الضحايا وحدها، بل آلمت الأردنيين جميعاً؛ لأن الدم الأردني واحد، ولأن حرمة الإنسان لا تتجزأ، ولأن استهداف مواطن في مكان عبادته أو بسبب معتقده اعتداء على حق أصيل في الحياة والأمان، ومحاولة للنيل من قيم المجتمع ووحدته, لم يكن الشهداء أرقاماً في خبر عاجل، بل أرواحاً لها أحلام وعائلات وبيوت وأحبة ينتظرون عودتهم. ولذلك، فإن تقديرنا للجهود الأمنية لا يحجب حجم الفاجعة، وفرحتنا بالقبض على المتورطين لا تلغي حزننا على الشهداء، ولا تعفينا من واجب الوقوف إلى جانب أسرهم ومواساتهم، ولا تنتقص من حقهم في العدالة. رحم الله شهداء الكرك، وأسكنهم فسيح جناته، وربط على قلوب ذويهم، وألهمهم الصبر والسلوان، ومنح المصابين الشفاء العاجل .
لقد أراد الإرهاب أن يزرع الخوف، وأن يفتح أبواب الشك والانقسام بين أبناء الوطن الواحد، لكن الرد الأردني الحقيقي يجب أن يكون أكبر من الجريمة
ومن هنا، لا بد من توجيه الشكر إلى المواطنين الذين تعاملوا مع الأحداث بمسؤولية، وإلى كل من ساند الأجهزة الأمنية، واحترم التعليمات، وابتعد عن تداول الشائعات والمعلومات غير الموثوقة. فالمواطن الواعي شريك في حماية المجتمع، ومساندته للمؤسسات لا تكون بالكلمات وحدها، بل بالالتزام بالقانون، والإبلاغ عن المعلومات ذات الصلة عبر القنوات الرسمية، وعدم نشر ما قد يعرقل التحقيقات أو يعرّض سلامة الآخرين للخطر. وفي زمن تتسابق فيه المنصات على نشر الأخبار، تصبح الكلمة مسؤولية وطنية؛ فالمعلومة الدقيقة تعزز الوعي، أما الشائعة فقد تثير الخوف وتضلل الناس وتضاعف معاناة الأسر التي تنتظر الحقيقة. شكراً لكل أردني اختار المسؤولية والوعي، ولكل من وقف إلى جانب أسر الشهداء والمصابين، ولكل من دعم جهود المؤسسات الوطنية وأسهم في أداء واجبه من موقعه واختصاصه
إن ثقتنا بأجهزتنا الأمنية لا تعني الاكتفاء بالتصفيق عند كل إنجاز، بل تعني تقدير العمل الجاد والنتائج الملموسة، والإيمان بأهمية التطوير المستمر والالتزام بالقانون. فالمؤسسات القوية هي التي تواصل التعلم من التجارب، وتعزز جاهزيتها، وتعمل على سد الثغرات، وتواجه التحديات بعقلية مهنية ومسؤولة. وما نريده اليوم ليس فقط الاحتفاء بالقبض على المتورطين، بل استمرار الجهود التي تحمي الأردن، واستكمال مسار العدالة، ومواجهة التطرف، وتعزيز الوعي المجتمعي، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالأمن والاستقرار ليسا مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية وطنية تتكامل فيها أدوار المؤسسات والمجتمع، مع بقاء الواجب الأمني والقانوني في عهدة الجهات المختصة
اليوم، ونحن نحيّي جميع الأجهزة الأمنية الأردنية دون استثناء، فإننا نؤكد أن ما بذلته من جهود يستحق التقدير والاحترام، وأن كل من سهر وتابع وبحث وحقق وخطط ونفذ، وكل من أدى واجبه بإخلاص، يستحق أن نقول له: شكراً. شكراً لرجال الأمن الذين يواصلون حماية الوطن، وشكراً لكل مواطن ساند وطنه بالوعي والانضباط، وشكراً لكل من وقف إلى جانب عائلات الشهداء والمصابين. الرحمة لشهداء الكرك، والشفاء العاجل للمصابين، والصبر والسلوان لذوي الشهداء. حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته وشعبه ومؤسساته، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وجعل وحدته الوطنية عصية على كل من يحاول النيل منها.
ستبقى ثقة المواطن الأردني في أجهزته الأمنية تعانق السماء؛ لأنها ثقة بوطن يعرف قيمة رجاله، ويقدّر تضحياتهم، ويؤمن بأن أمن الإنسان وكرامته وسيادة القانون ووحدة المجتمع ليست شعارات تُرفع، بل ثوابت تُصان بالعمل والإخلاص والتضحيات. وفي الأردن، مهما تعاظمت التحديات، سيبقى الرهان على وعي الشعب، وقوة المؤسسات، وإخلاص الرجال الذين يحملون أمانة حماية الوطن.