المحامي وسام الحوامدة يكتب …هل أنت مقبولٌ؟ أم مشهور؟

6٬852

هل أنت مقبولٌ؟ أم مشهور؟

 

هل تقبل الله منك؟ هل أنت مقبول بين الناس؟

 

الرزق أنواعٌ؛ أقلها المال والنقد والذهب لأنها مكتسبة وتباع وتُشترى، أليس كذلك؟ لكن ما لا يعرفه الناس أن والديك رزق، وأولادك رزق، وشهادتك رزق، والمال رزق، ورضا الوالدين أفضل وأجمل وأصعب الرزق، وأن الحكمة رزق، والحكمة أعلى من العلم وأهم منه، والصحة رزق… إذن الأرزاق ليست النقد والمال فقط، وأهم الأرزاق وأغلاها وأجملها وأحلاها هو القبول! فهلا تساءلت ما هو القبول؟

 

القبول وأنواعه الثلاثة:

 

١. قبول الله لك:

 

قبول الله أعمالك وخصوصاً الصالحة، وأعلاها قبولك قبولاً حسناً. ويصل الإنسان بالعلاقة بينه وبين الله أن يجهش بالبكاء والدعاء أن يتقبل الله أعماله وأن يكون من المقبولين عنده… اللهم آمين.

 

٢. قبول الناس لك:

 

أن يرزقك الله قبول الناس لك شخصياً، أو يجعل عملك مقبولاً لديهم. نعم أخوتي، والبعض يسميه الحظ! لأنك قد تعمل عملاً كبيراً ودقيقاً ولا يلقى أي اهتمام من الناس، وقد يعمل شخص آخر شيئاً بسيطاً وينشهر في أيام ويصبح ترند! نفس الفكرة…

 

أنت تقدم لوالديك وأخوك الصغير يقدم لهما، فتجدهما يقدسان ما قدمه لهما ويمدحانه ويمجدانه، وأما ما قدمته أنت فلا يلتفت أحد إليه؛ هذه غش ومحاباة في الأصل ولكن تشرح فكرة القبول.

 

وما أجمله من رزق أن يجعلك الله من المقبولين عند الناس! فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ فقالَ: إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فأحِبَّهُ، فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في السَّماءِ فيقولُ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأرْضِ».

 

٣. القبول الذاتي للنفس:

 

قبولك لنفسك ولعملك ولمسيرتك. هذه المرحلة من القبول للذات هي مرحلة مهمة يصلها الإنسان بعد خبرة وتحليل وإشباع وقناعة، إما بحكم العمر، وإما بحكمة حباك الله إياها، وإما بالعلم والتحليل والمصالحة مع الذات. والسبب هو المتغيرات المتناقضة بين الحق والمنطق والشهرة والتحليل وفهم الناس للصحيح وليس المشهور، وبين تحكيم العاطفة وتحكيم العقل. ومثال ذلك:

 

قد تفعل شيئاً ويقبله الناس ويشتهر، وهذا جمال على جمال!

 

قد تفعل شيئاً عظيماً وعلمياً ومفيداً ويتأخر الناس في فهمه أو تحليله… مؤلم ولكنه سيجد من يحلله يوماً رغم أنه لم يشتهر!

 

قد تفعل شيئاً تافهاً أو عابراً ولكنه سيشتهر ويصبح ترند! رزق وجاءك!

 

لا يوجد معيار موحد يمكن قراءة المشهد به وكيف سيتعامل الناس معك. كن نفسك، وتصالح مع ذاتك واقبلها وتعايش معها.

 

لكن انتبه لكلمة من شخص خبير:

 

عدد المتابعين والمشاهدات واللايكات والتعليقات والمجاملات ليست دائماً معيار نجاحك الحقيقي، وليست الممثل العلمي الحقيقي لقيمة عملك.

 

قلة اللايكات لا تعني التقليل من قيمة عملك وقبول الناس له.

 

عدد المصفقين لا يعني عدد المحبين لك.

 

الشهرة والقبول والحب والتقبل والحقيقة كلمات متقاربة يجب تحليلها خوفاً من إعطائك تحليلاً غير مطابق… ابحث عن القبول والحب فقط.

 

القرآن الكريم:

 

هل في القرآن الكريم ما يؤيد شرح هذه الكلمة الاصطلاحية المهمة؟

 

نعم، وردت مشتقات مادة «ق ب ل» في القرآن الكريم، ومنها ألفاظ قريبة من القبول والمقبول، لكن لفظ «القبول» نفسه بهذا المصدر لم يرد في القرآن إلا في موضع واحد مقترناً بالنعت.

 

ومن أبرز المواضع:

 

﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] — وهو أوضح موضع في معنى قبول العمل.

 

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: 37] — وهنا وردت كلمة «بِقَبُولٍ» صراحة، ومعناها: تقبلها الله تعالى تقبلاً حسناً.

 

﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنَتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127].

 

﴿وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: 40].

 

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 70] — وفيها معنى القبول مقروناً بالتوبة والعمل الصالح وإن لم ترد فيها كلمة «تقبّل».

 

واللافت جداً أن الآية التي فيها كلمة القبول المبحوث عنها تحديداً جمعت اللفظ بصورة بديعة:

 

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: 37]

 

أي أن القرآن لم يقل فقط «فتقبّلها»، بل أتبعها بـ «بقبول حسن»؛ وهذا يعطي معنى أعمق من مجرد القبول: قبولٌ مقرون بالحُسن والرضا والعناية الإلهية.

 

والقبول في العلم الحديث له أصله، وفي الحديث النبوي ما يشير إلى «الكاريزما» أو الهالة للشخص: إما طاقته سلبية فمن أول لقاء تكرهه، وإما إيجابية فتحبه، وإما حيادية (Neutral). فهل لديك موهبة قراءة الطاقة الصادرة من شخص تقابله أول مرة؟

 

الأم والأب يقرآن الطاقة التي يولدها أولادهما وبناتهما، فيعرفان ويقرآن الطاقة التي يصدرها أبناؤهما بمجرد دخولهم من باب البيت: “ما بك؟ هل أنت حزين؟ مكتئب؟”. والحديث النبوي فيه ما يعزز ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأرواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَما تَعارَفَ مِنْها ائْتَلَفَ، وَما تَناكَرَ مِنْها اخْتَلَفَ».

 

إذن:

 

الشهرة تشتري المصفقين، أما القبول فيمنحك المحبين.

 

الشهرة تُقاس بالأرقام، أما القبول فيُقاس بالأثر والنتائج والسكينة والحب، وأن يتذكرك الناس ولو قابلوك مرة واحدة فقط.

 

وفي النهاية، ألهج إلى خالقي وحبيبي ربي قابل التوب غافر الذنب بالدعاء:

 

اللهم اجعلنا من المقبولين عندك قبولاً حسناً، اللهم اجعل أعمالنا مقبولة منك، اللهم ارزقنا قبول الناس لنا ولأعمالنا، اللهم اجعلنا من رجالك ومحاسيبك وحزبك واجعلنا حيث تحب يا الله… قولوا آمين.

 

#المحامي_وسام_الحوامدة

قد يعجبك ايضا