ياغي يكتب : زيارة الملك إلى الصين.. الأوراق الرابحة وتعدد الخيارات

327

 

عمان – د. مصطفى ياغي
زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تأتي في لحظة لا يمكن فصلها عن التحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد العالمي، ولذلك فإن قيمتها بالنسبة للأردن تتجاوز حدود العلاقة الثنائية أو ما قد ينتج عنها من اتفاقيات ومشاريع، فالملك يتحرك باتجاه دولة أصبحت لاعباً مركزياً في الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار والتجارة العالمية، ويضع الأردن في مساحة مباشرة مع الشركات والقطاعات التي تصنع جانباً مهماً من اقتصاد المستقبل، وهو ما ظهر بوضوح في برنامج الزيارة من شنغهاي إلى شنتشن، واللقاءات مع مسؤولي الشركات الصينية والاطلاع على تجارب متقدمة في الروبوتات والتنقل الجوي والخدمات اللوجستية والابتكار والتحول الرقمي، وهي ملفات لا تنتمي إلى اقتصاد اليوم فقط، بل إلى الاقتصاد الذي يتشكل أمامنا.

ومن هنا فإن قراءة الزيارة باعتبارها بحثاً عن استثمارات صينية فقط ستكون قراءة ناقصة؛ فالأردن أمام فرصة أوسع تتعلق بموقعه داخل حركة اقتصادية دولية تتغير بسرعة، والصين بما تمتلكه من قدرات إنتاجية وتكنولوجية وأسواق ضخمة تستطيع أن تكون أحد المسارات التي تساعد المملكة على توسيع حضورها الاقتصادي، ليس من خلال زيادة التبادل التجاري فحسب، وإنما عبر إقامة علاقات أكثر عمقاً بين الشركات والأسواق ومؤسسات البحث والتعليم والقطاعات الإنتاجية، بحيث تصبح العلاقة قابلة لإنتاج قيمة جديدة داخل الأردن، لا مجرد زيادة في حركة السلع بين البلدين. واللافت في زيارة جلالة الملك أنه لا يركز على قطاع واحد، بل يضع مجموعة من الملفات أمام الشراكة، من الاستثمار والتكنولوجيا إلى السياحة والخدمات والابتكار، وهذا التنوع هو بالضبط ما يجعل الزيارة ذات بعد اقتصادي استراتيجي.

وفي السياحة تحديداً، تبدو الفرصة مختلفة؛ فالسوق الصينية تمنح الأردن إمكانية تنويع قاعدة زواره، لكن التعامل معها يحتاج إلى أكثر من حملة ترويجية تقليدية، إذ إن بناء حضور أردني مؤثر في السوق الصينية يتطلب ربطاً جوياً مناسباً، وشراكات مع شركات السفر والمنصات السياحية الصينية، ومحتوى تسويقياً ملائماً، وخدمات مصممة لتجربة السائح الصيني، وفي المقابل يمتلك الأردن منتجاً سياحياً قادراً على المنافسة بما يضم من البترا ووادي رم والبحر الميت والمغطس وجرش والسياحة الدينية والثقافية والعلاجية وسياحة المغامرات، وقد ظهرت السياحة فعلياً ضمن ملفات التعاون التي تناولتها الزيارة من خلال لقاءات جلالة الملك مع شركات صينية عاملة في مجال السفر والسياحة.

لكن السياحة ليست سوى ورقة من مجموعة أوراق يمكن للأردن أن يبني عليها في علاقته مع الصين، فهناك الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي، وهي قطاعات يمكن أن تنتقل فيها العلاقة من مجرد استيراد منتجات وخدمات إلى بناء شراكات إنتاجية، وهذا هو الفارق بين علاقة تجارية تقليدية وشراكة اقتصادية ذات أثر طويل الأمد؛ ففي الحالة الأولى تتحرك السلع، أما في الثانية فتتحرك معها المعرفة ورأس المال والخبرات والشركات والأسواق، ويصبح الطرفان جزءاً من منظومة مصالح أوسع.

وهنا تبرز أهمية لقاء جلالة الملك مع الشركات الصينية، لأنها تمنح الأردن فرصة لتقديم نفسه ليس كسوق صغيرة فقط، وإنما كاقتصاد يستطيع أن يؤدي دوراً إقليمياً بحكم موقعه واستقراره وارتباطاته، وقد أشارت الرسالة الملكية خلال لقاءات شنتشن إلى أهمية موقع الأردن الاستراتيجي وبيئة الأعمال فيه وإمكانية دوره كمركز إقليمي للخدمات. وهذه النقطة تستحق البناء عليها اقتصادياً؛ فالأردن لن ينافس الصين بحجم السوق أو القدرة الصناعية، لكنه يستطيع أن ينافس في أشياء أخرى: الموقع، والخدمات، والكفاءات، والربط الإقليمي، والقدرة على أن يكون نقطة اتصال بين أسواق مختلفة.

وهنا تحديداً تصبح عبارة (الأوراق الرابحة) أكثر من عنوان؛ فالأردن يمتلك مجموعة من العناصر التي يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية إذا جرى تجميعها ضمن رؤية واحدة، من الموقع الجغرافي إلى رأس المال البشري، ومن السياحة إلى الخدمات، ومن الاستقرار إلى شبكة العلاقات الدولية، ومن القطاع الخاص إلى البنية التحتية والموانئ والمناطق الاقتصادية، لكن الورقة لا تصبح رابحة لمجرد امتلاكها؛ قيمتها تظهر عندما تعرف الدولة كيف تستخدمها ومتى وأمام من، وهذا ما يجعل التحرك الملكي مهماً، لأنه يضع هذه الأوراق على طاولة شراكات دولية أكبر.

وتعدد الخيارات هنا لا يعني تغيير اتجاه الأردن أو البحث عن بدائل لعلاقاته القائمة، وإنما يعني توسيع مساحة الحركة الاقتصادية. فالأردن يحتاج إلى علاقات متينة مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية والخليجية، ويحتاج في الوقت نفسه إلى بناء علاقات أعمق مع الصين وآسيا وغيرها من مراكز الاقتصاد العالمي، لأن تنوع الشركاء والأسواق ومصادر الاستثمار والتكنولوجيا يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات والتغيرات، ويمنع اختزال مستقبله الاقتصادي في مسار واحد.

لكن القيمة الحقيقية لأي تحرك خارجي تظهر في الداخل، وهنا يجب ألا تتعامل مؤسسات الدولة مع زيارة الملك باعتبارها نهاية ملف، بل بداية مرحلة تنفيذية. فالفرص التي تفتحها القيادة تحتاج إلى جهاز حكومي سريع، وقطاع خاص مستعد، ومؤسسات قادرة على المتابعة، وتشريعات لا تعيق الاستثمار، وجامعات مرتبطة بحاجات الاقتصاد، وأجهزة تملك القدرة على تحويل اللقاءات إلى مشاريع محددة بمواعيد ومسؤوليات ونتائج قابلة للقياس. وهذا هو الفارق بين دولة تستقبل الوفود ودولة تستثمر في الزيارات.

كما أن الاستثمار الذي ينبغي أن يبحث عنه الأردن ليس الاستثمار الأكبر رقماً بالضرورة، وإنما الاستثمار الأكثر قدرة على خلق قيمة داخل الاقتصاد؛ استثمار يفتح سوقاً للصادرات، أو يربط شركة أردنية بسلسلة توريد عالمية، أو يدخل تكنولوجيا جديدة، أو يخلق مركزاً للخدمات، أو يطور مهارات محلية، أو يفتح مجالاً لمنتجات أردنية في الأسواق الآسيوية. عندها يصبح الاستثمار أداة لتوسيع القدرة الاقتصادية وليس مجرد إضافة إلى حجم رأس المال.

ومن هذه الزاوية، فإن زيارة جلالة الملك إلى الصين تحمل رسالة اقتصادية أبعد من نتائجها المباشرة: الأردن يريد أن يكون حاضراً في حركة التحول العالمي، ويريد أن يتعامل مع القوى الاقتصادية الكبرى من موقع الشراكة والمصلحة، ويريد أن يحول علاقاته السياسية إلى مصالح اقتصادية قابلة للنمو. وقد وصف السفير الصيني في الأردن الزيارة بأنها سترسم ملامح مستقبل الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وهو توصيف يعكس حجم الرهان على المرحلة المقبلة.

والرهان الحقيقي الآن ليس على الزيارة وحدها، بل على ما ستفعله المؤسسات الأردنية بالفرص التي فتحتها. فالملك يستطيع أن يطرق أبواب الشركات الكبرى، وأن يضع الأردن أمام مراكز القرار الاقتصادي، وأن يخلق قنوات اتصال على أعلى مستوى، لكن تحويل هذه القنوات إلى اقتصاد أقوى يحتاج إلى عمل مؤسسي متواصل، وإلى عقلية لا تتعامل مع الاستثمار كرقم، ولا مع السياحة كعدد زوار، ولا مع التكنولوجيا كأجهزة نشتريها، وإنما تنظر إلى كل ذلك باعتباره أجزاء من منظومة واحدة هدفها زيادة قدرة الأردن على إنتاج القيمة.

لهذا يمكن النظر إلى زيارة الصين باعتبارها واحدة من حلقات بناء القوة الاقتصادية الأردنية؛ قوة لا تقوم على مورد واحد أو سوق واحد أو شريك واحد، وإنما على شبكة من المصالح والقدرات والخيارات. وهذه هي الفكرة الأساسية وراء «الأوراق الرابحة وتعدد الخيارات»

قد يعجبك ايضا