حين يستحضر التاريخ رجالاته… سليمان محمد عربيات، قامة من السلط لا يطويها الغياب

22٬624

 

عمان الان – عندما نستحضر رجالات مدينة السلط، تلك المدينة العريقة التي أنجبت للأردن قامات في السياسة والاقتصاد والعمل العام، فإن اسم المرحوم سليمان محمد عربيات، الذي وُلد عام 1937 وتوفي عام 2001، يحضر بوصفه واحداً من أبنائها الذين جمعوا بين ريادة العمل الاقتصادي، والمسؤولية الوطنية، والعطاء الإنساني، والإسهام في خدمة المجتمع، فكانت له مسيرة تستحق أن تُروى، وإرث من العمل والخير جدير بأن يبقى حاضراً في ذاكرة الوطن.

لم يكن سليمان العربيات مجرد رجل أعمال ارتبط اسمه بقطاع النقل البري والشاحنات، بل كان من أبناء جيل أدرك أن بناء الاقتصاد الوطني يبدأ بالعمل والإنتاج والمبادرة، وأن نجاح الإنسان في أعماله تكتمل قيمته حين ينعكس خيراً على وطنه ومجتمعه. ومن موقعه مديراً عاماً لمؤسسة الشرق العربي للتجارة والخدمات العالمية، المتخصصة في أعمال النقل البري والشحن، أسهم في قطاع حيوي يشكل إحدى الركائز الأساسية لحركة التجارة وتبادل السلع وتنشيط الأسواق، في مرحلة كانت فيها المملكة تمضي في ترسيخ بنيتها الاقتصادية وتوسيع نشاطها التجاري.

ولم تقف مسيرته عند حدود التجارة والأعمال، بل امتدت إلى ميادين المسؤولية الوطنية والخدمة العامة، حيث اختير عضواً في مجلس أمانة عمّان الكبرى، وتولى رئاسة اللجنة المحلية لمنطقة زهران خلال الفترة من عام 1994 حتى عام 1996، بتعيين من مجلس الوزراء، ليضيف إلى مسيرته الاقتصادية حضوراً في العمل البلدي وخدمة العاصمة وأهلها.

أما في الحياة السياسية، فقد كان العربيات من الأعضاء المؤسسين للحزب الوطني الاشتراكي في خمسينيات القرن الماضي، في مرحلة مهمة من تاريخ الحياة السياسية الأردنية، وظل مخلصاً لأمته ووطنه وقيادته، معتزاً بانتمائه، مؤمناً بأن خدمة الوطن مسؤولية تتجاوز حدود المناصب والمواقع، وأن قيمة الإنسان تقاس بما يقدمه من عمل وما يتركه من أثر.

غير أن الوجه الأكثر إشراقاً في سيرة سليمان محمد عربيات لم يكن في المناصب التي تولاها، ولا في الأعمال التي أدارها، وإنما في تلك المواقف الإنسانية التي جسدت معنى المروءة وأصالة العطاء.

فقد كان للعمل الخيري في حياته مكانة خاصة، إذ عُرف بدعمه المستمر للأعمال الإنسانية والجمعيات الخيرية، وكان عضواً في الهيئة الإدارية لجمعية السلط الخيرية، مساهماً في ترسيخ قيم التكافل الاجتماعي، ومؤمناً بأن المال تزداد بركته حين يكون وسيلة لإعانة المحتاجين والتخفيف من معاناة الناس.

ولعل من أنبل ما يُذكر في سيرته تكفّله بتعليم العديد من الطلبة المحتاجين في المدارس والجامعات، إيماناً منه بأن العلم باب للكرامة وطريق لبناء المستقبل. ولم يقتصر إحسانه على التعليم، بل امتد إلى المرضى الذين أثقلتهم تكاليف العلاج، فتكفّل بعلاج الكثير من المحتاجين، مقدماً نموذجاً لرجل أدرك أن أعظم ما يتركه الإنسان خلفه ليس ما جمعه لنفسه، وإنما ما قدمه لغيره.

فكم من طالب وجد في عطائه طريقاً إلى العلم، وكم من مريض وجد في إحسانه باباً للأمل، وكم من أسرة خفّف عنها عبء الحاجة دون أن يكون لذلك ضجيج أو انتظار لمقابل.

وكان للمرحوم حضور اجتماعي عُرف من خلاله بالسعي إلى إصلاح ذات البين، وهي من الخصال التي ارتبطت برجالات السلط وأهلها، حيث كانت المروءة والحكمة وجمع الكلمة وإصلاح النفوس قيماً راسخة في الوجدان الاجتماعي. ولم تكن مكانة الرجال تُقاس بما يملكون فحسب، بل بما يحظون به من احترام وثقة، وبما يبذلونه من جهد في خدمة الناس وإصلاح شؤونهم.

إن الحديث عن سليمان محمد عربيات ليس مجرد استعادة لسيرة رجل أعمال ناجح أو مسؤول سابق، بل هو استحضار لنموذج من رجالات الأردن الذين جمعوا بين العمل الاقتصادي والانتماء الوطني والمسؤولية المجتمعية، وأدركوا أن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا حين يكون للآخرين نصيب منه.

لقد رحل سليمان العربيات عن دنيانا عام 2001، غير أن الرجال الذين يتركون وراءهم أثراً طيباً لا يغيبون تماماً، إذ تبقى سيرتهم حاضرة في ذاكرة من عرفوهم، وفي حياة من أعانوهم، وفي الأثر الذي تركوه في مجتمعهم.

وما أحوجنا اليوم إلى استذكار هذه القامات الوطنية، ليس من باب الوفاء وحده، وإنما لأن الأجيال تستحق أن تعرف أن هذا الوطن قامت في خدمته سواعد رجال لم تكن غايتهم الشهرة، ولا كانت المناصب منتهى طموحهم، بل كان العمل والإنتاج وخدمة الناس والوفاء للأردن بعضاً من ملامح مسيرتهم.

لقد كان سليمان محمد عربيات واحداً من أولئك الرجال الذين لم يجعلوا من نجاحهم الاقتصادي غاية تنتهي عند مصالحهم الخاصة، بل وسّعوا دائرة عطائهم لتشمل الإنسان والمجتمع والوطن.

وستبقى مدينة السلط، بتاريخها العريق وإرثها الوطني ورجالاتها الذين تعاقبوا على خدمة الأردن، حاضنة لذاكرة لا تنسى أبناءها الذين تركوا فيها أثراً، وسيبقى اسم سليمان محمد عربيات جديراً بالذكر والتقدير بين رجالاتها الذين اجتمعت في سيرتهم قيم العمل والوفاء والإنسانية.

فرحم الله سليمان محمد عربيات رحمة واسعة، وجزاه عن وطنه وأهله وكل من امتدت إليهم يد إحسانه خير الجزاء.

فالتاريخ لا يمنح الخلود لمن مرّوا في الحياة فحسب، وإنما يحفظ مكانته لمن تركوا فيها أثراً يستحق البقاء؛ وما أعظم الرجال حين تنتهي أعمارهم، ولا تنتهي مآثرهم.

قد يعجبك ايضا